الشوكاني
69
فتح القدير
بعضهم لبعض ، واختار هذا الفراء والزجاج . ولا وجه لقصر الآية على هذا ، فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة ( أتصبرون ) هذا الاستفهام للتقرير ، وفي الكلام حذف تقديره أم لا تصبرون : أي أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة والابتلاء العظيم . قيل موقع هذه الجملة الاستفهامية هاهنا موقع قوله - أيكم أحسن عملا - في قوله - ليبلوكم أيكم أحسن عملا - ثم وعد الصابرين بقوله ( وكان ربك بصيرا ) أي بكل من يصبر ومن لا يصبر ، فيجازي كلا منهما بما يستحقه . وقيل معنى أتصبرون : اصبروا مثل قوله - فهل أنتم منتهون - أي انتهوا ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا ) هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة ، والجملة معطوفة على - وقالوا ما لهذا - أي وقال المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله كما في قول الشاعر : لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي أي لا أبالي ، وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم كقول الشاعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل أي لم يخف ، وهي لغة تهامة . قال الفراء وضع الرجاء موضع الخوف ، وقيل لا يأملون ، ومنه قول الشاعر : أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب والحمل على المعنى الحقيقي أولى ، فالمعنى : لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ، ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب ( لولا أنزل علينا الملائكة ) أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا أن محمدا صادق ، أو هلا أنزلوا علينا رسلا يرسلهم الله ( أو نرى ربنا ) عيانا فيخبرنا بأن محمدا رسول . ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه فقال ( لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله - إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه - ، والعتو مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته ، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم ، بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان ، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله ، أو تعد من المستعدين له ، وهكذا من جهل قدر نفسه ، ولم يقف عند حده ، ومن جهلت نفسه قدره رأي غيره منه مالا يرى ، وانتصاب ( يوم يرون الملائكة ) بفعل محذوف : أي واذكر يوم يرون الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها ، بل على وجه آخر ، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر ، ويجوز أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدل عليه قوله ( لا بشرى يومئذ للمجرمين ) أي يمنعون البشرى يوم يرون ، أو لا توجد لهم بشرى فيه ، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة ، وهو وقت الموت ، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى . قال الزجاج : المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله ( ويقولون حجرا محجورا ) أي ويقول الكفار عند مشاهدتهم للملائكة حجرا محجورا ، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة ، يقال للرجل أتفعل كذا ؟ فيقول حجرا محجورا : أي حراما عليك التعرض لي . وقيل إن هذا من قول الملائكة : أي يقولون للكفار حراما محرما أن يدخل أحدكم الجنة ، ومن ذلك قول الشاعر : ألا أصبحت أسماء حجرا محرما * وأصبحت من أدنى حمومتها حماء